مقهى 2 ...........
بلدة ممتدة لا ترى العين لها حدودا،أشجار بدايتها الأرض ونهاياتها السماء. أجسام عارية تتلوى خوفا و صبرا، أنفاسهم ملتهبة بالعويل، صارخة كريح ، مضرّجة بدم قاني مشع. كأنها قصائد جامحة أو هي كذلك.سيقان ملتصقة بأديم الأرض الحمراء..حشود من يأس مرير تنحدر من وطن غارق في الترّهات، قبلتها بلدة ممتدة لا تمسك حدودها العين..أرتال حافلات أحشاؤها خليط من أمل زائف و واقع تعيس و خطب هجينة تلعب الشطرنج على بطون مستقيمة وملابس زرقاء في هيئة أجساد ترسم لوحة رعب لذيذة في قصور مرمرية شاحبة...
خلف الأشجار العالية وجوه معفرة بتراب أغبر تريد معرفة السر..خيول جافلة تريد أن تخترق طنين الصمت..أبواق تزدهر بالحنين وبالذكرى.. نسوة ينتحبن مفترشات مواويل صارخة ... يتبادلن أساطير الأولين في الصمود..مقابر البلاد نائمة في سكون السكون المستدير فوق حرف الشين في المشهد..الأغاني تتروى في شرب قهوة الصباح عند باب مقهى السّعادة الذي يتوسط مقابر البلاد..كائنات زاحفة وكائنات تكاد تطير وأخرى لها جذور في الغرب، ترسل بألحان جنائزية..أياد ممتدة في بلدة ممتدة لا تمسك حدودها العين، نحو شمس شتائية في وسطها ..أقدام محفورة بالريح..رجال عراة يقرعون الأبواب والأجراس والأفراس.. يخطبون…فتيات محترقات بالفقر والقفر ناهدات الصدر على الإطلاق يتدحرج الماء على أجسادهن حذو أرجلهن المشققة سلطة جائعة ..موائد في الطريق العام تضفي على فضاء بلدة ممتدة لا تمسك حدودها العين،مشهدية سحرية توحي بعد البحث والتمحيص أن لهذا البلد رجال ولهؤلاء الرجال نساء وللإثنين معا شباب مفلس .. وللثلاثاء.. الأربعاء.. الخميس.. الجمعة.. السبت.. الأحد.. سلال يعبث في خوائها الفضاء !!
جمع من يأس مُحبط يحصى ولا يعد،محمل بظلمة أولها ضفاف البلدة وآخرها أيضا ضفاف البلدة.. تقضم طرقات الجنوب المهترئة ..
ضفاف البلدة ضيقة على غرباء لا يبتغون منها إلا تنفيذ الواجب الوطني المقدس..بقتل العصافير الصغيرة وتمزيق "عصابة المفسدين" وتعبئة زجاجات القصر بدماء الأناشيد المقاتلة.. لرسم لوحة للعهر و(أخرى للأعلان)، حتى ترتاح ضمائر الحاضر في حضرة الولائميين.. صناع القرار وجواب القرار…...
العربات في اتجاه الأناشيد المشعة.. زبد أشداقها يعلمك كم هي لاهثة في هذا العراء المالح على بساط البلدة المتقيح الحالم.. المفاتيح مجلجلة في أياديهم الملوّحة فوق مقهى السّعادة.. الصوت وحده يرسم ملامحا أخرى للمكان..ساعة الرمل تصب مكاييلها في أحضان فتية مخارج حروفهم معبدة بشعارات الثوّار في معلقات الصعاليك..في أحاديث الغفاري.. في تفاصيل ماركس..في مفردات غيفارا.. في مواويل الفلاحين في أمريكا اللاتينية.. في عمق وتأوهات الحيارى في صحراء الجزائر..في عرق أبائهم العمّال ..في العناوين الكبرى..تتحول هاماتهم إلى حلم أسطوري،نوره يمسك جبلا وغابة وبحرا وصحراء..النور يمتد على بلدة ممتدة لا تمسك حدودها العين،نحو المفاتيح المجلجلة أو جلجلة المفاتيح..خيوط الضوء ذات الترددات الواسعة والإمتدادات الشاسعة نحو المدى.. الأجساد تتماوج..الحناجر تتجاوب..العربات في اتجاه الأناشيد تقضم أضافرها في تعصّب مقيت..تنتظر المجزرة… !
|